أبو الليث السمرقندي

132

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم قال فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدي فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ . قال ابن عباس : آخرها يوم عرفة . وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ . قال بعضهم : إذا رجعتم إلى أهليكم . وقال بعضهم : إذا رجعتم من منى . وقال بعضهم : إذا رجعتم إلى الأمر الأول ، يعني إذا فرغتم من أمر الحج ؛ وبهذا القول نقول . ثم قال : تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ، في البدل يعني العشرة الكاملة كلها بدل من الهدي ، يعني ذلِكَ الفداء لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، أي ذلك الفداء لمن لم يكن منزله في الحرم . وقال قتادة ومقاتل : ذلك يعني التمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام يعني الحرم . وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما أمركم به ونهاكم عنه . وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إن خالفتم . الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ، أي وقت الحج أشهر معلومات وهو : شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة . فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ؛ قال القتبي : الفرض وجوب الشيء ، يقال : فرضت عليك كذا ، أي أوجبته . قال اللّه تعالى : فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ، أي ما ألزمتم أنفسكم ، وقال : قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ [ الأحزاب : 50 ] ، وقال تعالى : فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ، أي فمن أحرم في هذه الأشهر بالحج ، فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ . قرأ ابن كثير وأبو عمرو : « فلا رفث ولا فسوق » بالرفع مع التنوين ، والباقون بالنصب بغير تنوين . واتفقوا في قوله : وَلا جِدالَ بالنصب ؛ غير أبي جعفر المدني فإنه قرأ بالرفع . وهذا يقال له : لا التبرية ؛ فكل موضع يدخل فيه لا التبرية ، فصاحبه بالخيار إن شاء نصبه بغير تنوين ، وإن شاء ضمه بالتنوين مثل قوله : وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [ البقرة : 254 ] . وتفسير الرفث هو الجماع كقوله : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [ البقرة : 187 ] ؛ وقال بعضهم : الرفث : التعرض بذكر النساء ، والفسوق : هو السباب ، والجدال : أن تماري صاحبك حتى تغيظه . أي من كان محرما لا يجامع في إحرامه ولا يسب ولا يماري . ويقال : الفسوق الذبح للأصنام . كقوله تعالى : أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [ الأنعام : 145 ] ، والجدال هو أن قريشا كانت تقف بالمزدلفة وكانوا يجادلون كل فريق يقولون : نحن أصوب سبيلا . وروي عن مجاهد أنه قال : قد استقر الحج في ذي الحجة ، فلا جدال فيه ؛ وذلك أن المشركين كانوا يحجون عامين في ذي القعدة وعامين في ذي الحجة ، فلما فتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة ، بعث أبا بكر ليحج بالناس فوافق ذلك آخر عام ذي القعدة ؛ فلما حج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حجة الوداع ، وافق ذلك أول عام في ذي الحجة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ألا إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض » . يعني رجع أمر الحج إلى ذي الحجة كما كان ، فنزل : وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ . ثم قال : وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ، يعني من ترك الفسوق والمرأة والجدال . يَعْلَمْهُ